العيني
296
عمدة القاري
صلحاً ) * ( النساء : 821 ) . وهو أن يقبل منها ما تسقطه من حقها من نفقة أو كسوة أو مبيت عندها أو غير ذلك من حقوقها عليه ، فلا جناح عليها في بذلها له ذلك ، ولا عليه في قبوله منها ، ولهذا قال : * ( فلا جناج عليهما أن يصالحا بينهما صلحاً ) * ( النساء : 821 ) . ثم قال : * ( والصلح خير ) * ( النساء : 821 ) . أي : من الفراق ، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة وعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراقها صالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة ، رضي الله تعالى عنها ، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، وأبقاها على ذلك ، فقال أبو داود الطيالسي : حدثنا سليمان ابن معاذ عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، قال : خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ! لا تطلقني وأجعل يومي لعائشة ، ففعل ، فنزلت هذه الآية : * ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ) * ( النساء : 821 ) . الآية ، قال ابن عباس : فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز ، ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى عن أبي داود الطيالسي ، وقال : حسن غريب وقال سعيد بن منصور : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال : أنزلت في سودة وأشباهها : * ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ) * ( النساء : 821 ) . وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت ، ففرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وضنت بمكانها منه ، وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ومنزلتها منه ، فوهبت يومها من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لعائشة ، فقبل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول ( معجمه ) : حدثنا محمد بن يحيى حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الدستوائي حدثنا القاسم بن أبي بزة قال : بعث النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إلى سودة بت زمعة بطلاقها ، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة ، فلما رأته ، قالت له : أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لما راجعتني ، فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال ، أبعث مع نسائك يوم القيامة ، فراجعها ، قالت : فإني قد جعلت يومي وليلتي لحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن كثير : وهذا غريب مرسل . وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا : حدثنا جرير عن شعبة عن ابن سيرين قال : جاء رجل إلى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فسأله عن آية ، فكره ذلك وضربه بالدرة ، فسأله آخر عن هذه الآية : * ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ) * ( النساء : 821 ) . فقال : عن مثل هذا فسلوا ، ثم قال : هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها فتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها ، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عروة ، قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، فسأله عن قول الله عز وجل : * ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما ) * ( النساء : 821 ) . قال علي : يكون الرجل عنده المرأة فسوا عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قذرها فتكره فراقه ، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له ، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج ، وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وحماد بن سلمة وأبي الأحوص ، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل أربعتهم عن سماك به ، وكذا فسره ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحكم بن عتيبة والحسن وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة ، ولا أعلم في ذلك خلافاً في أن المراد بهذه الآية هذا ، والله أعلم . وذكر أبو عبد الله محمد بن علي بن خضر ابن عسكر في كتابه ( ذيل التعريف والإعلام ) : أنها نزلت بسبب أبي السنابل بن بعكك وامرأته ، وفي تفسير مقاتل : نزلت في خويلة بنت محمد بن مسلمة حين أراد زوجها رافع بن خديج طلاقها ، وفي كتاب عبد الرزاق : خولة ، وفي ( غرر التبيان ) زوجها سعد بن الربيع ، وفي ( تفسير الثعلبي ) : هي عمرة بنت محمد بن مسلمة . ذكر ما يستفاد منه فيه : جواز هبة بعض الزوجات يومها لبعضهن ، وقال المنذري : لا يكون ذلك إلاَّ برضى الزوج والتسوية بينهن كان غير واجب عليه صلى الله عليه وسلم ، وإنما كان يفعله تفضلاً منه ، وعن الداودي : إذا رضيت بترك القسم والإنفاق عليها ثم سألته العدل فلها ذلك ، وقال أصحابنا الحنفية : ولواحدة منهن أن ترجع إن وهبت قسمها للأخرى لأنها أسقطت حقاً لم يجب بعد ، فلا يسقط كالمعير يرجع في العارية متى شاء .